قطب الدين الراوندي

79

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

الملائكة وأجرت فيه ذلك ، فالريح في البدن من قبل الشمال ، والبلعم من ناحية الصبا ، والمرة من ناحية الدبور ، والدم من ناحية الجنوب . واستقلت النسمة وكمل البدن . وكل ذلك من تدبير اللَّه لا من تأثير طبع وغيره ، فدخل عليه من ناحية الريح حب الحياة وطول الأمل والحرص ، ومن البلغم حب الطعام والشراب واللباس واللين والحلم والرفق ، ومن المرة الغضب والسفه والشيطنة والتجبر والتمرد والعجلة ، ومن الدم الشهوة للنساء واللذات وركوب الشهوات من الحلال والحرام . وهذا إشارة إلى أن اللَّه أقدره على جميع ذلك ، لقوله « وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ » ( 1 ) طريقي الخير والشر ليصح تكليفه بفعل هذا والاجتناب من ذلك ، فلا اجبار ولا الجاء في ذلك . ويتعلق بجميع ذلك ألطاف الملائكة وغيرهم من المكلفين ، كما في غير ذلك . وعن الصادق عليه السلام : كانت الملائكة تمر بآدم وهو ملقى في الجنة من طين فتقول : لأمر ما خلقت ( 2 ) . ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام : وان اللَّه كان أودع الملائكة تلك التربة المصورة وكان أمرهم أن يسجدوا لآدم إذ أحياه ، فلما دخل الوقت الذي اقتضت الحكمة أن ينفخ في تلك الصورة فطلب من الملائكة أن يؤدوا إليه وديعته ويردوها عليه ، فلما أدوا تلك الصورة إلى اللَّه نفخ تعالى فيها الروح فقامت منتصبة . وروي أن آدم نهض ليقوم قبل أن تم في جميع البدن الروح ، فقال تعالى

--> ( 1 ) سورة البلد : 10 . ( 2 ) راجع البحار 5 - 29 ط الكمباني .